لم يكن ريديت ويوتيوب وحدهما الضحيتين في موجة الانهيار التي ضربت استشهادات منصات التواصل الاجتماعي في شات جي بي تي خلال منتصف أغسطس عام ألفين وستة وعشرين بل كانت تيك توك من بين الأكثر تضرراً حيث سجلت واحدة من أعلى نسب التراجع بين جميع المنصات الكبرى. لكن المفارقة الأكثر إثارة للدهشة أن تيك توك لم تكن تعتمد عليها النماذج اللغوية أصلاً كمصدر رئيسي للمعلومات بسبب طبيعة محتواها البصري مما يجعل انهيارها أكثر دلالة على تحول عميق في فلسفة استشهاد الذكاء الاصطناعي للمصادر.
سجلت تيك توك تراجعاً حاداً في استشهادات شات جي بي تي بنسبة اثنين وسبعين بالمئة وفقاً لتحليلات شركة بيترا لابز المتخصصة في تتبع الاستشهادات. وجاء هذا التراجع في المرتبة الثالثة بعد يوتيوب الذي سجل ثمانية وثمانين بالمئة وريديت الذي سجل واحداً وثمانين بالمئة. وتفاوتت نسب التراجع بين المنصات الأخرى حيث سجل لينكد إن ستة وثلاثين بالمئة وفيسبوك ثمانية وعشرين بالمئة حسب بعض المصادر أو ثمانية وثلاثين بالمئة حسب مصادر أخرى.
أشار محللو بيترا لابز إلى فارق جوهري في قراءة هذه الأرقام فرغم أن تيك توك سجلت تراجعاً نسبياً كبيراً بلغ اثنين وسبعين بالمئة فإن حجم الخسارة المطلقة كان أقل بكثير مقارنة بريديت لأن حصة تيك توك الأساسية من الاستشهادات كانت أصغر بمرتبة أو مرتبتين من حصة ريديت. فريديت كانت تستحوذ على حصة مستقرة بلغت ثلاثة فاصل ثلاثة وثمانين بالمئة من إجمالي استشهادات شات جي بي تي قبل الانهيار بينما كانت حصة تيك توك ضئيلة للغاية مما يعني أن التراجع المطلق في عدد الاستشهادات كان محدوداً مقارنة بالانهيار المدوي الذي طال ريديت.
قبل الحديث عن الانهيار لا بد من فهم أن تيك توك لم تكن يوماً مصدراً رئيسياً للمعلومات في عالم الذكاء الاصطناعي التوليدي وذلك يعود لسبب بسيط وهو أن النماذج اللغوية تقرأ النصوص وليس الفيديوهات.
في دراسة شملت عشرة فئات من المنتجات وستة نماذج ذكاء اصطناعي مختلفة وخمسة آلاف وسبعمئة واثنين وسبعين استشهاداً ظهرت تيك توك ست مرات فقط أي ما نسبته صفر فاصل عشرة بالمئة. وفي مجموعة أخرى من ألف وتسعمئة وخمسة استعلامات تغطي فترة من يونيو إلى يوليو عام ألفين وستة وعشرين ظهرت تيك توك في ثلاثة وعشرين إجابة من أصل تسعة عشر ألفاً ومئتين وتسعة وسبعين إجابة أي ما نسبته صفر فاصل واحد بالمئة. والأكثر إثارة للدهشة أن شات جي بي تي نفسه لم يظهر فيه أي استشهاد لتيك توك على الإطلاق في تلك الدراسة.
الاستثناء الوحيد في عالم المنصات البصرية كان يوتيوب الذي استطاع أن يحقق حضوراً ملحوظاً في استشهادات الذكاء الاصطناعي لكن ليس لأنه فيديو بل لأنه يترك خلفه نصوصاً يمكن قراءتها مثل العناوين والوصف والنصوص المرفقة والترجمات النصية. أما تيك توك فمحتواها الأساسي فيديوهات قصيرة تعتمد على الصورة والصوت ولا تنتج نصوصاً غنية قابلة للاستشهاد مما يجعلها غير قابلة للقراءة من قبل النماذج اللغوية. وبناءً على ذلك فإن منصة بلا نصوص قابلة للاقتباس هي طريق مسدود في عالم الجيو.
ما جعل انهيار تيك توك وتيك توك أكثر غرابة وفقاً لتقرير شركة مي3 هو أن العلامات التجارية التي كانت شات جي بي تي يوصي بها لم تتغير رغم انهيار استشهادات المنصات الاجتماعية. فالمستخدمون الذين يسألون شات جي بي تي كانوا لا يزالون يرون نفس التوصيات ونفس العلامات التجارية لكن المصادر التي تدعم تلك التوصيات تغيرت فبدلاً من رابط لخيط في ريديت أو منشور في تيك توك أصبح الرابط موقع الشركة الرسمي.
اكتشف فريق بيترا لابز أن معظم حصة الاستشهادات التي فقدتها منصات التواصل الاجتماعي لم تذهب إلى ناشرين آخرين أو منصات اجتماعية بديلة بل انتقلت إلى المواقع التي تملكها الشركات نفسها. وهذا يعني أن الذكاء الاصطناعي أصبح يفضل المصادر الرسمية والمؤسسية على المحتوى الجماهيري غير الموجه حتى لو كان ذلك المحتوى على منصة ضخمة مثل تيك توك.
أكدت بيترا لابز أن هذا التحول كان محصوراً في شات جي بي تي حيث لم ترصد الشركة تغيرات مماثلة في النماذج الأخرى. وهذا يعني أن القرار كان خوارزمياً من أوبن إيه آي وليس تغيراً في سلوك المستخدمين أو اتجاهاً عاماً في صناعة الذكاء الاصطناعي.
السبب التقني الأكثر ترجيحاً لهذا الانهيار هو نفسه الذي أثر على ريديت ويوتيوب وهو التغيير في آلية البحث التي يعتمد عليها شات جي بي تي بعد تحديث نموذج جي بي تي خمسة فاصل ستة حيث بدأ النموذج في استخدام عامل البحث site بشكل مكثف لتوجيه بحثه نحو نطاقات محددة بدلاً من البحث المفتوح في الويب. وهذا التغيير فضل المصادر الرسمية والمتخصصة على المنصات العامة.
عندما يوجه النموذج بحثه نحو نطاقات محددة يصبح التمييز بين النطاقات التي تحمل سلطة موضوعية وتلك التي لا تحملها أكثر وضوحاً فموقع تيك توك العام لا يحمل أي إشارة إلى التخصص في مجال معين بينما الموقع الرسمي لشركة أو مؤسسة يحمل في نطاقه إشارة واضحة إلى هويته واختصاصه.
المشكلة الأعمق التي واجهت تيك توك هي أن النماذج اللغوية تبحث عن نصوص يمكنها اقتباسها حرفياً في إجاباتها ومنصة تعتمد على الفيديوهات القصيرة دون نصوص غنية لا تستطيع توفير هذه المادة القابلة للاقتباس. وهذا يفسر لماذا كانت حصة تيك توك في الاستشهادات ضئيلة حتى قبل الانهيار.
الدرس الأكبر من انهيار تيك توك هو أن الاستثمار في المحتوى البصري وحده دون نصوص مصاحبة غنية وقابلة للقراءة لن يمنحك أي ظهور في عالم الذكاء الاصطناعي التوليدي فالنماذج لا تشاهد الفيديوهات بل تقرأ النصوص. والعلامات التجارية التي تعتمد على تيك توك كمصدر وحيد لظهورها الرقمي وجدت نفسها خارج دائرة الاستشهادات تماماً.
حتى المنصات البصرية التي استطاعت تحقيق حضور في استشهادات الذكاء الاصطناعي مثل يوتيوب فعلت ذلك بفضل النصوص المصاحبة والترجمات النصية والعناوين والوصف. وهذا يعني أن العلامات التجارية التي تنشر محتوى بصرياً يجب أن تستثمر في إنتاج نصوص غنية تصف هذا المحتوى وتوثقه لتكون قابلة للقراءة من قبل النماذج اللغوية.
اتجاه شات جي بي تي نحو المواقع الرسمية للشركات والمؤسسات يؤكد مرة أخرى أن بناء سلطة رقمية على نطاقك الخاص هو الاستراتيجية الأكثر أماناً في عالم الجيو فالذكاء الاصطناعي يبحث عن المصادر الموثوقة والمتخصصة والمواقع الرسمية هي الأكثر قدرة على تقديم هذه السلطة.
ما حدث لتيك توك ومنصات التواصل الأخرى هو تذكير قاسٍ بأن الاعتماد على منصة خارجية حتى لو كانت عملاقة مثل تيك توك هو رهان محفوف بالمخاطر فالتغييرات الخوارزمية المفاجئة يمكن أن تمحو ظهورك بين عشية وضحاها دون أي مقدمات. والاستراتيجية الوحيدة الناجحة هي التنويع وبناء حضور قوي على مصادر متعددة.
انهيار استشهادات تيك توك في أغسطس عام ألفين وستة وعشرين هو تحذير خاص لمن يعتمدون على المحتوى البصري في استراتيجياتهم التسويقية فرغم أن تيك توك منصة ضخمة بمليارات المستخدمين فإن حضورها في عالم الذكاء الاصطناعي التوليدي كان ضئيلاً أصلاً ثم انهار إلى مستويات شبه معدومة.
والسبب الجذري ليس خوارزمياً فقط بل بنيوياً فالنماذج اللغوية تقرأ النصوص وليس الفيديوهات والعلامات التجارية التي تريد الظهور في إجابات الذكاء الاصطناعي يجب أن تستثمر في إنتاج محتوى نصي غني ومنظم وموثق على مواقعها الرسمية.
أما المحتوى البصري وحده فسيظل خارج دائرة الضوء حتى لو كانت المنصة التي ينشر عليها هي الأكبر في العالم. في عالم الجيو القاعدة واضحة وبسيطة إن لم يكن لديك نص يمكن اقتباسه فأنت غير موجود في ذاكرة الذكاء الاصطناعي.

نهيئ موقعك للظهور في شات جي بي تي وجيميناي وكلود وبيربلكسيتي. أكثر من مليار سؤال يوميا يذهب للذكاء الاصطناعي.
المصدر العربي والعالمي الموثوق لبيانات المواقع الإلكترونية والأنشطة التجارية. يضم المواقع والمتاجر الإلكترونية، والشركات والمصانع والعيادات والمطاعم ومقدمي الخدمات — بما في ذلك الأنشطة التي لا تملك موقعًا إلكترونيًا.