لم يكن ريديت الضحية الوحيدة في موجة الانهيار التي ضربت استشهادات منصات التواصل الاجتماعي في شات جي بي تي خلال أغسطس عام ألفين وستة وعشرين بل كان يوتيوب الأكثر تضرراً على الإطلاق حيث سجل أعلى نسبة تراجع بين جميع المنصات الكبرى متجاوزاً حتى ريديت في حجم الخسارة وهذا التحول المفاجئ لم يكن مجرد تقلب عابر بل إعادة هيكلة عميقة في طريقة فهم الذكاء الاصطناعي لمصادر المعرفة مما يضع علامات استفهام كبرى حول مستقبل ظهور المحتوى المرئي في الإجابات التوليدية
تختلف النسب المئوية المسجلة لتراجع استشهادات يوتيوب بحسب مصدر التحليل والفترة الزمنية لكن جميعها تؤكد حدوث انهيار حاد وغير مسبوق فشركة بيترا لابز المتخصصة في تتبع الاستشهادات سجلت انخفاضاً حاداً بلغ ثمانية وثمانين بالمئة بينما رصدت منصة بيك إيه آي تراجعاً بنسبة ثمانية وسبعين بالمئة خلال الأيام العشرة التالية لإطلاق نموذج جي بي تي خمسة فاصل ستة كما أشارت دراسة أخرى غطت الفترة من يناير إلى أبريل عام ألفين وستة وعشرين إلى انهيار أكبر في استشهادات يوتيوب بلغ واحداً وتسعين بالمئة مما يجعل يوتيوب صاحب الرقم القياسي في التراجع بين جميع المنصات التي تضررت من الموجة
يوتيوب تصدر قائمة الخاسرين بنسبة تراوحت بين ثمانية وسبعين وواحد وتسعين بالمئة تلاه ريديت بنسبة واحد وثمانين بالمئة ثم تيك توك بنسبة اثنين وسبعين بالمئة ثم فيسبوك بنسبة ثمانية وثلاثين بالمئة وأخيراً لينكد إن بنسبة ستة وثلاثين بالمئة وهذا التفاوت في النسب يكشف أن الخوارزميات الجديدة لم تعامل جميع المنصات بنفس الطريقة بل كانت يوتيوب الأكثر تضرراً بسبب طبيعة محتواه المرئي الذي يصعب على النماذج النصية استخلاص المعلومات منه بسهولة مقارنة بالمحتوى النصي الخالص
السبب الجذري لهذا الانهيار هو نفس التغيير الذي أثر على ريديت ومنصات التواصل الأخرى لكن تأثيره كان مضاعفاً على يوتيوب بسبب طبيعة المحتوى الذي يقدمه
في الثامن من أغسطس أصبح نموذج جي بي تي خمسة فاصل ستة النموذج الافتراضي في شات جي بي تي ورافق هذا التحديث تعديل جذري في طريقة بحث النموذج عن المعلومات حيث بدأ بالاعتماد بشكل أكبر على عامل البحث site لاستهداف نطاقات محددة بدلاً من البحث المفتوح في الويب وهذا التحول جعل النموذج يفضل المصادر الرسمية والمتخصصة على المنصات العامة
هذا التغيير في آلية البحث قلل بشكل كبير من قيمة المصادر العامة مثل يوتيوب وفضل بدلاً منها المواقع الرسمية للشركات والمواقع المتخصصة والجهات المؤسسية فعندما يسأل المستخدم عن علاج مرض معين يوجه النموذج بحثه الآن نحو موقع منظمة صحية عالمية أو مؤسسة طبية مرموقة بدلاً من البحث في محتوى يوتيوب العام الذي قد يكون مصدره أي شخص دون تحقق من مصداقيته
المشكلة الأعمق التي واجهت يوتيوب هي أن النماذج اللغوية تعتمد أساساً على النصوص المكتوبة لفهم المحتوى واستخلاص المعلومات منه ومحتوى يوتيوب هو فيديوهات تعتمد على الصورة والصوت والنصوص المصاحبة لها تكون غالباً قصيرة أو غير دقيقة أو غير كافية لوحدها لتكوين معرفة موثوقة وهذا يجعل استشهاد النموذج بمقطع فيديو أصعب بكثير من استشهاده بمقالة مكتوبة على موقع رسمي
من المهم ملاحظة أن هذا التراجع كان محصوراً في شات جي بي تي بشكل كبير ففي نماذج ومنصات الذكاء الاصطناعي الأخرى مثل جوجل أي أوفرفيو وبيربلكسيتي وغروك لم يسجل انهيار مماثل في استشهادات يوتيوب أو ريديت
في جوجل أي أوفرفيو كان التراجع تدريجياً وليس مفاجئاً حيث انخفضت استشهادات يوتيوب من مستوياتها المستقرة في يوليو إلى مستويات أقل في أغسطس ولكن بنسبة لا تتجاوز بضعة بالمئة وليس ثمانية وثمانين بالمئة وهذا يؤكد أن التغيير كان قراراً خوارزمياً من أوبن إيه آي وليس اتجاهاً عاماً في صناعة الذكاء الاصطناعي
منصتا بيربلكسيتي وغروك لم تظهر أي تغييرات جوهرية في استشهاداتهما ليوتيوب خلال نفس الفترة مما يعزز فرضية أن أوبن إيه آي هي من اتخذت قراراً استراتيجياً بإعادة تقييم مصادر المعرفة التي تعتمد عليها نماذجها وليس أن هناك تغيراً تقنياً عالمياً أثر على جميع أنظمة الذكاء الاصطناعي
الرسالة الأكبر من انهيار يوتيوب هي أن الاعتماد على منصة خارجية حتى لو كانت عملاقة مثل يوتيوب لم يعد استراتيجية آمنة في عالم الجيو فالتغييرات الخوارزمية المفاجئة يمكن أن تمحو ظهورك بين عشية وضحاها دون أي مقدمات أو تحذيرات والعلامات التجارية التي كانت تعتمد على ظهورها في فيديوهات يوتيوب كمصدر وحيد للحركة المرورية وجدت نفسها فجأة خارج دائرة الاستشهادات
الانتقال من الاعتماد على المنصات العامة إلى بناء حضور قوي على موقعك الإلكتروني الرسمي هو الاستراتيجية الأكثر أماناً فالذكاء الاصطناعي يبحث عن المصادر الموثوقة والمتخصصة والمواقع الرسمية للشركات والمؤسسات هي الأكثر قدرة على تقديم هذه السلطة وليس المحتوى الجماهيري على منصات التواصل
ما حدث ليوتيوب يؤكد مرة أخرى أن استراتيجية المصدر الواحد محكوم عليها بالفشل في عالم الجيو فالعلامات التجارية التي كانت تستثمر في يوتيوب فقط وتهمل موقعها الرسمي ومدونتها ومحتواها النصي المتخصص وجدت نفسها خارج اللعبة بينما التي كانت تملك حضوراً متنوعاً على منصات متعددة تمكنت من تعويض الخسارة جزئياً
رغم أن الفيديو هو المستقبل في التسويق الرقمي فإن الذكاء الاصطناعي التوليدي لا يزال يفضل النصوص المكتوبة الواضحة والمنظمة والمفصلة على المحتوى المرئي غير المهيكل والعلامات التجارية التي تستثمر في كتابة مقالات معمقة وصفحات خدمية غنية بالمعلومات هي الأكثر قدرة على الصمود في وجه التغييرات الخوارزمية المفاجئة
اتجاه شات جي بي تي نحو المصادر الرسمية والمؤسساتية يعكس رغبة واضحة في تحسين جودة الإجابات وتقليل المعلومات المضللة وهذا يعني أن العلامات التجارية التي تقدم محتوى شفافاً وموثوقاً ومدعماً بالأدلة هي وحدها من سيبقى في دائرة الضوء بينما تلك التي تعتمد على المحتوى السطحي أو الترويجي المبالغ فيه ستختفي تدريجياً
حذرت العديد من شركات التحليلات من أن حجم التراجع قد يكون مؤقتاً بسبب مشاكل في جمع البيانات أو اختلاف في منهجيات القياس وهذا تذكير مهم بأن أدوات التتبع ليست معصومة من الخطأ وأن القرارات الاستراتيجية يجب أن تُبنى على أكثر من مصدر واحد وأن القراءة النقدية للأرقام ضرورية قبل اتخاذ أي قرار مصيري
ما ينجح اليوم قد يختفي غداً بسبب تغيير تقني لا علاقة لك به والاستراتيجية الوحيدة الناجحة هي التنويع وبناء سلطة حقيقية على نطاقك الخاص وعدم رهن مستقبلك الرقمي بأي منصة أو تكتيك واحد والقاعدة الذهبية في عالم الجيو هي أنه لا توجد قواعد ثابتة
انهيار استشهادات يوتيوب في أغسطس عام ألفين وستة وعشرين هو تحذير أقسى من تحذير ريديت لأنه طال المنصة الأكبر والأكثر انتشاراً في العالم ولم يحدث أي تغيير في يوتيوب نفسه ولم تغير القنوات الكبرى نهجها لكن أوبن إيه آي عدلت طريقة بحثها الخلفية
وفي غضون أيام اختفت واحدة من أكبر منصات المحتوى في العالم من على خريطة الاستشهادات الذكية والدرس الأهم المستفاد ليس كيف نستعيد ظهورنا على يوتيوب بل ماذا نبني على أرضنا الخاصة بحيث يصمد أمام أي إعادة ضبط خوارزمية مستقبلية فالعلامات التجارية التي تملك محتوى نصياً عميقاً على مواقعها الرسمية ومدوناتها المتخصصة هي وحدها القادرة على الصمود في وجه هذه العواصف الخوارزمية
أما تلك التي تضع كل بيضها في سلة منصة خارجية واحدة فستجد نفسها دائماً تحت رحمة تحديث لا تعرف مصدره ولا تستطيع التأثير فيه وفي عالم الجيو القاعدة الوحيدة الثابتة هي أنك وحدك المسؤول عن بناء سلطتك الرقمية فلا تتركها لمن لا يعرفها ولا يقدرها

نهيئ موقعك للظهور في شات جي بي تي وجيميناي وكلود وبيربلكسيتي. أكثر من مليار سؤال يوميا يذهب للذكاء الاصطناعي.
المصدر العربي والعالمي الموثوق لبيانات المواقع الإلكترونية والأنشطة التجارية. يضم المواقع والمتاجر الإلكترونية، والشركات والمصانع والعيادات والمطاعم ومقدمي الخدمات — بما في ذلك الأنشطة التي لا تملك موقعًا إلكترونيًا.